محمد محمد أبو موسى
44
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
ثقافات الأمم وحضارتها والحراس المحافظين على ملامحها وأصالتها . ومن هذه الأصول التي أذكرها على سبيل المثال لا الحصر : 1 - دراسة المعاني والقول في صحتها وتناقضها وأنواعها وأجناسها وتآخيها وتناسبها ومحاولة الكشف عن الأسس التي سار عليها نسق الجمل والآيات وكيف تترابط وتتوحد حتى كأن بعضها يأخذ بحجز بعض ، وهذا بحث هام في قضايا النقد ، ولكنه ظل بعيدا عن الدرس الأدبي يمثل علم المناسبة في علوم القرآن ، وقد قال المختصون : انه - أي علم المناسبة - علم شريف لم يحاوله الا قلة من العلماء لدقته وصعوبة مسلكه . والذين حاولوه كانوا جميعا من الأدباء المشهود لهم بصفاء النفس وسلامة الحس ، وقد قال أبو بكر النيسابوري : ان اعجاز القرآن البلاغي لم يرجع الا إلى هذه المناسبات الخفية والقوية بين آياته وسوره حتى كأن القرآن كله كالكلمة الواحدة ترتيبا وتماسكا « 1 » . ولم يفد نقاد الأدب من هذه الدراسة القرآنية ، لذلك جاء كلامهم في تناسب أجزاء النص كلاما ضعيفا باهتا يعنى فقط ببيان حسن التخلص والانتقال ، فظلت القصيدة العربية في منظور النقد تنطوى على ألوان عديدة من الأغراض والمقاصد في غير رباط شعري واضح . 2 - كانت دراسة تناسب المعاني ثمرة النظر الشامل في النص والخروج عن دائرة الجملة ، فقد كان الزمخشري بعد الدراسة التحليلية للجمل وبيان ترتيب معانيها وتناسقها ينظر نظرة أوسع يصف النص ويشير إلى بعض الظواهر البلاغية في الأسلوب ، وكثير مما أثبتناه في دراسة النظم وفي البحث في الجمل يشير إلى هذه النظر العامة ، ومن ذلك قوله معلقا على قوله تعالى : « وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ، وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخِرِينَ . وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ
--> ( 1 ) هناك محاولات قديمة للامام الرازي في تفسيره ، والشيخ الامام البقاعى وله في ذلك كتاب قيم ومخطوط في دار الكتاب ، وحاول هذا البحث من المعاصرين مولانا الشريف التهانوى الهندي في كتاب -